| |
تود الجامعة البهائية العالمية في مساهمتها في الاستعراض الذي تقوم به المفوضية "لإطار السنوات العشر للبرامج الخاصة بالاستهلاك والانتاج المستدامين" (۱)؛ الإشارة أولا إلى نقاط القوة لهذا الإطار الآخذ في التطور، وثانياً تحديد المسائل التي تحتاج إلى مزيد من التوضيح، تماشياً مع الرؤية المذكورة أعلاه باختصار. أما نقاط القوة فتكمن في: أن "الإطار" يأخذ في الاعتبار الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للانتقال إلى الاستهلاك والإنتاج المستدامين، وبذلك قضى الأسلوب القائم منذ أمد بعيد في تقسيم هذين الميدانين وتجزئتهما عن بعضهما البعض (۲)؛ وهو يعترف بالترابط الموجود بين المواضيع المختلفة للإطار (مثل: التعليم، بناء القدرة المؤسساتية، مشاركة المرأة، تطبيق معارف السكان الأصليين،..الخ)(۳)؛ وقد سعى إلى إشراك أصحاب المصلحة في أنحاء العالم من خلال المشورة الإقليمية؛ كما أنه يدعو جميع العاملين من جميع مستويات المجتمع إلى إنجاز الأهداف التي أعلن عنها بوضوح ضمنه. |
| |
ولكن، نظراً لأن " الإطار" يسعى لترويج الإنتقال إلى الإستهلاك والإنتاج المستدامين – متحدياً بذلك ضمنياً الأعراف والقيم الثقافية التي روجت النزعة الإستهلاكية بكل قوة- فلابد من تفحص عدد من المفاهيم الأساسية، وفي العديد من الحالات، تعديلها من أجل الدفع قدماً الأهداف التي تتضمنها. من ضمن هذه المفاهيم، المفهوم المتعلق بالطبيعة البشرية؛ والتطور (وطبيعة التقدم و الازدهار)؛ وطبيعة الأزمات الاقتصادية الأخيرة وأسبابها؛ وعمليات التطور التكنولوجي؛ وسبل وأهداف العمليات التعليمية. إننا ندعو كل من يعمل بفاعلية لترويج الإستهلاك والإنتاج المستدامين للانخراط معنا في حوار حول هذه المسائل الأساسية، كي نتعلم من وجهات نظر وتجارب وخبرات بعضنا البعض ونساهم جماعيًا في تقدم الجهود الرامية لبناء مجتمع عادل ومستدام. |
| |
الطبيعة البشرية:
إن لمسألة الطبيعة البشرية مكان خاص في الحوار حول الاستهلاك والإنتاج المستدامين، حيث أنها تدفعنا لإعادة تفحص هويتنا وأهدافنا في الحياة، على أعمق المستويات. إن التجربة الإنسانية هي أساسًا روحانية في طبيعتها، فهي متجذرة في الحقيقة الذاتية الداخلية -أو ما يسميها البعض "الروح" - والتي نتشارك جميعنا فيها: إلا أن ثقافة الاستهلاك مالت إلى تحويل البشر إلى مجرد مستهلكين متنافسين شديدي النهم للسلع وإلى مُستهدَفين للتلاعب من قبل السوق. وقد افترضت الآراء الأكثر عمومًا وجود تضارب شديد بين ما يريده الناس فعلاً (أي أن يستهلكوا أكثر) وما تريده الإنسانية (أي العدالة في الحصول على الموارد). كيف إذاً سنتمكن من حل هذا التناقض المشل للحركة، وهو أن نرغب من جهة في أن يعم عالمنا السلام والازدهار، بينما تصور لنا معظم النظريات الإقتصادية والنفسية البشر على أنهم عبيد المصلحة الذاتية؟ فالقدرات والمَلَكات ( كالاعتدال والعدالة والمحبة والمنطق والتضحية وخدمة المصلحة العامة) التي نحتاجها لبناء نظام إجتماعي مستدام وأكثر عدالة قد تم استبعادها، بحجة أنها مُثُل عليا ساذجة. ولكن في حقيقة الأمر، هذه هي الصفات وأخرى مرتبطة الخصائص بها التي يجب تسخيرها للتغلب على سمات الأنانية، والجشع، واللامبالاة والعنف، التي عادة ما تكافئها وتشجعها قوى السوق والسياسة، والتي تؤدي إلى ظهور الأنماط الحالية من الإستهلاك والإنتاج غير المستدامين.
|
| |
رؤية للتنمية:
وبالمثل، يجب أن يبرز بيان واضح لرؤية مستدامة من حوار عام حول طبيعة التطور البشري وهدفه والأدوار الموكلة لأنصارها.
|
| |
يتمثل مفهوم الجامعة البهائية العالمية للتحول إلى الاستهلاك والإنتاج المستدامين على أنه جزء من مشروع عالمي يمكّن جميع الأفراد من إنجاز هدفهم المزدوج، أي تنمية وتطوير طاقاتهم الكامنة المتأصلة فيهم، والمساهمة في إصلاح المجتمع الأوسع. ولا يكفي اعتبار الاستهلاك والإنتاج المستدامين على أنهما مجرد خلق فرص للفقراء لكي يلبوا أبسط احتياجاتهم. بل بالأحرى يجب -مع الإدراك بأن على كل فرد المساهمة بدوره في بناء نظام إجتماعي أكثر عدالة وسلامة- تنظيم وترتيب هذه العمليات بحيث يُسمح لكل فرد أن يقوم بدوره الشرعي كعضو منتج من أعضاء المجتمع. ضمن إطار كهذا، يمكن وصف الاستهلاك والإنتاج المستدامين بأنهما عمليتان تلبيان الاحتياجات المادية والاجتماعية والروحانية للبشرية عبر الأجيال، وتمكن جميع الناس من المساهمة في التقدم المستمر للمجتمع. |
| |
يجب أن يرافق التقدم على المستوى التقني ومستوى السياسات حوارٌ عام - بين سكان الأرياف والمدن؛ الفقراء مادياً والأغنياء؛ الرجال والنساء والشباب على حد سواء - حول القواعد الأخلاقية التي يقوم عليها التغيير المنهجي اللازم. إن ما يميز النظام الاجتماعي المستدام، من بين أمور أخرى، آداب التبادل والتوازن في جميع مستويات التنظيم الإنساني. ويُعتبر جسم الإنسان مثالًا وثيق الصلة بذلك: حيث يتواجد في هذا الجسم ملايين الخلايا التي تتعاون معاً لتجعل حياة الإنسان ممكنة. ويربطها التنوع المذهل في الشكل والوظيفة وفي عملية أخذ وعطاء مستمرة طوال الحياة. وهو يمثل أعلى تعبير عن الوحدة في التنوع والتعدد. كما يتجسد مفهوم العدالة ضمن نظام كهذا في إدراك أن مصلحة الفرد والمجتمع الأوسع متصلان اتصالاً لا انفصام له. إن السعي لتحقيق العدالة ضمن إطار الوحدة (في التنوع والتعدد) يوفّر الهداية والإرشاد لإجراء المداولات و اتخاذ القرارات الجماعية، ويقدم وسيلة لتحقيق وحدة الفكر والعمل. |
| |
وفي نهاية المطاف، سيستلزم التحول المطلوب للانتقال نحو الاستهلاك والانتاج المستدامين ليس بأقل من تغيير عضوي في بنية المجتمع نفسه بحيث يعكس تماماً الاعتماد المتبادل للهيكل الاجتماعي بأكمله – بالإضافة إلى الاتصال والترابط مع عالم الطبيعة الذي يعزّزه ويستديمه. من ضمن هذه التغييرات التي أصبح العديد منها منذ الآن محط تركيز الكثير من الحوارات العامة: الوعي بالمواطنة العالمية؛ الاتحاد النهائي لجميع الشعوب من خلال نظام حُكم متكامل له القدرة على صنع القرار على المستوى العالمي؛ تأسيس هيكليات تعترف بالمُلكية العمومية للبشرية لموارد الأرض؛ استحكام المساواة التامة بين الرجل والمرأة؛ محو جميع أشكال التعصبات؛ تعيين عملة نقدية عالمية وغيرها من الآليات التي تساهم على الاندماج والتي تروج للعدالة الاقتصادية على المستوى العالمي؛ تبني لغة عالمية مساعدة لتيسير التفاهم المتبادل؛ وإعادة توجيه النفقات العسكرية الهائلة نحو غايات وأهداف اجتماعية بناءة (٤). |
| |
أزمة النظام الإقتصادي الحالي:
كما هو معروف، يعتمد نموذج التنمية السائد في يومنا هذا على مجتمع نشط في استهلاك السلع المادية (٥). وفي مثل هذا النموذج، يُعتبر الارتفاع الدائم في مستويات الاستهلاك مؤشرا إيجابيًا للازدهار الاقتصادي. وهذا الانشغال الهائل بإنتاج وجمع الأشياء المادية ووسائل الراحة (كمصادر تُوفّر المغزى والغاية، السعادة، والقبول الاجتماعي) قد دمج نفسه في هياكل السلطة والمعلومات لإقصاء الأصوات والنماذج المنافسة. والتلبية والرعاية غير المنضبطة للاحتياجات والرغبات قد أدّت إلى إيجاد نظام يعتمد تمامًا على الاستهلاك المفرط بالنسبة لقلة محظوظة من الناس، بينما يعزّز الاستثناء والفقر وانعدام العدالة للغالبية العظمى. وقد كشفت الأزمات العالمية المتتالية– سواء أكانت تتعلق بالمناخ، أو الطاقة أو الغذاء أو الماء أو الأمراض أو الانهيار المالي - أبعاداً جديدة للاستغلال والظلم المتأصلين في الأنماط الحالية من الاستهلاك والإنتاج. هنالك تباين صارخ بين استهلاك الكماليات وكلفة توفير الاحتياجات الأساسية: فتوفير التعليم الأساسي للجميع يكلف ١٠ مليار دولار (٦)؛ في حين يتم صرف مبلغ يقدر بـ۸۲ مليار دولار سنوياً على السجائر في الولايات المتحدة فقط. (۷) كما سيكلف القضاء على الجوع عالمياً ٣٠ مليار دولار (٨)؛ أما توفير الماء والصرف الصحي فتكلفته ١٠ مليارات دولار (٩). وبالمقارنة، ارتفعت الميزانية الحربية العالمية إلى
١,٥٥ تريليون دولار عام ٢٠٠٨ (۱۰).
|
| |
لقد ساهمت الرؤية العالمية المادية الضيّقة والتي تشكل الدعامة الأساسية للكثير من الفكر الاقتصادي الحديث في إنحطاط السلوك الانساني، وتفكّك الأسر والمجتمعات، وفساد المؤسسات العامة بالإضافة إلى استغلال وتهميش شرائح كبيرة من السكان – النساء والفتيات على وجه الخصوص. ومن الثابت أن النشاط الاقتصادي وتقوية الاقتصاد ( وهي عملية قد تشتمل على النمو الاقتصادي ولكنها ليست مرادفة له) لهما دور محوري يقومان به لتحقيق الازدهار في منطقة ما لها ولسكانها. ومع ذلك، فالانتقال نحو مجتمع أكثر عدالة وأمنًا واستدامة يتطلب إيلاء الاهتمام بآليات متناغمة بين البعدين المادي وغير المادي (أو الأخلاقي) للاستهلاك والإنتاج. وسيكون الأخير، على وجه الخصوص، أساسياً لإرساء أسس علاقات إنسانية مسالمة تتسم بالعدال والإنصاف؛ والتي تشتمل على توليد المعرفة، رعاية الثقة و الائتمانية، محو التعصب العرقي والعنف، ترويج الفنون والجمال والعلوم و القدرة على التعاون وحل النزاعات بطرق سلمية. |
| |
في ضوء ما سبق، من المهم التأكيد أيضاً على العلاقة بين الإنتاج والتوظيف كبُعد حيوي لاقتصاد قوي. غالبًا ما يصاحب الزيادة في الإنتاج تغيير في مواقع العمل أو الانتقال إلى العمل الآلي، مما يؤدي بالتالي إلى ارتفاع في مستويات البطالة. كما عمل التركيز الأحادي الهدف على زيادة الأرباح إلى الحد الأقصى، على تحبيذ تقليل القوى العاملة حيثما أمكن. وفي ظل النظام الحالي، ترتفع عاليًا مستويات البطالة والبطالة المقنّعة، ولا تجني غالبية سكان الأرض دخلًا يفي باحتياجاتهم الأساسية. ولا يملك أولئك الذين يعانون الفقر وسيلة للتعبير عن أنفسهم في ظل مثل هذا النظام. لا يقتصر الإنتاج المستدام على مجرد تقنيات أكثر "اخضرارًا" ، بل يجب أن يشتمل على أنظمة تمكّن جميع البشر من المساهمة في العملية الإنتاجية. وفي ظل نظام كهذا، يكون الكل منتجين، وتتاح للجميع فرصة لكسب (أو تلقّي في حالة عدم القدرة على الكسب) ما يكفي لسدّ حاجتهم. غير أن العمل هو أكثر من مجرد وسيلة لكسب الثروة وسد الحاجات الأساسية. فهو يوفّر لكل فرد دورًا يقوم به في المجتمع لتنمية وتطوير مواهبه وتهذيب شخصيته والمساهمة في تقدم المجتمع وخدمته. |
| |
التطور التقني:
يُلقي "إطار البرامج" الضوء على أهمية نقل التقنيات وتبادل المعرفة لتحقيق مستويات مستدامة من الإستهلاك والإنتاج. إلا أن ما يدفع معظم التطورات التقنية هي قوى السوق التي لا تعكس الاحتياجات الأساسية لسكان العالم. علاوة على ذلك، فإن التأكيد على نقل التقنيات دون وجود جهود مرافقة لها لزيادة المشاركة في توليد المعرفة وتطبيقها لن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة القائمة بين الأغنياء والفقراء- "المُطَوّرون" و "المستخدمون" للتقنيات. إن تنمية القدرة من أجل التعرّف على الاحتياجات التقنية والأفكار التقنية الجديدة وتبنيها– في ضوء الاحتياجات الاجتماعية والقيود البيئية– هو أمر حيويّ للتقدم الاجتماعي. وستتطلب عملية تحويل الواقع الاجتماعي المعقد تنمية القدرة المؤسسية ضمن مجموعات محلية من السكان لتوليد المعرفة وتطبيقها بطرق تتناول فيها الاحتياجات الخاصة لتلك المجموعة السكانية. ومسألة القدرة المؤسسية هذه (على سبيل المثال: تأسيس مراكز إقليمية للبحوث والتدريب) تشكل تحديًا عظيمًا للتنمية المستدامة، إلا أنه إذا تم التصدي له بنجاح، فستكون النتيجة قطع التدفق غير المتوازن للمعرفة في العالم وفصل عملية التنمية عن عمليات التحديث السقيمة. كما ستتميز التقنيات "الحديثة" بتوجهها نحو معالجة احتياجات محددة محلياً وأولويات تأخذ في الحسبان كلاً من الرفاه المادي والأخلاقي للمجتمع ككل.
|
| |
التربية والتعليـمي:
يحدد "إطار البرامج" التعليم وبناء القدرة المؤسسية على أنهما برنامجان من البرامج التي بمقدورها دعم تطبيق أنماط مستدامة من الاستهلاك والإنتاج. إلا أنه إذا ما أُريد لهما أن يحدثا تغييرًا عميقًا في عقول الناس وفي الهياكل الاجتماعية (اللازمة للانتقال نحو الاستدامة)، فلابد من إعادة التفكير في طبيعة العمليات التعليمية. كنقطة بداية، وينبغي لبرنامج التعليم أن يكون مبنيًا على رؤية واضحة لنوعية المجتمع الذي نود العيش فيه، ونوعية الأفراد الذين سيحققون ذلك. وعليه أن يساعد المتعلمين على التفكر مليًّا في الغاية من الحياة ومساعدتهم على الخروج من واقعهم الثقافي لتطوير رؤى ومقاربات بديلة للمشاكل القائمة، وفهم النتائج متعددة الجوانب لسلوكياتهم وتعديلها وفق ذلك.
|
| |
وعلى المدارس نفسها أن تشارك في عمليات التحول الاجتماعية، ولا يمكن أن يكون الهدف من المناهج نقل المعلومات والمهارات المناسبة فحسب؛ بل تنمية إصلاح جامعاتهم المحلية وتقدم المجتمع ككل. إن درجة الوعي وروح الخدمة والتعاون المخلص واللازميْن لتحويل التصرفات الفردية والقوى المؤسسية في اتجاه الإستدامة سيستلزمان تحولًا في العمليات التعليمية بما يتناسب مع المهمة قيد البحث. |
| |
المقاربة التي تنتهجها الجامعة البهائية للتحول الثقافي:
يتضمن التحول الثقافي تغييرات واعية في الخيارات الفردية والهياكل المؤسساتية والقواعد السلوكية. لقد سَعت الجامعة البهائية العالمية على نحو منهجي منظم، ولأكثر من عقد من الزمن، إلى إحداث تحول بين الأفراد والمجتمعات في أرجاء العالم - كي تُلهم وتبني القدرة على الخدمة. لقد كان إطار العمل الذي يرشد ويوجه هذه النشاطات متجذرًا في ديناميكيةٍ للتعلم – تتسم بالعمل، والمراجعة والتقييم، والمشورة. حيث وضع البهائيون قيد التنفيذ، عمليات على مستوى الحي في آلاف من المجتمعات، تسعى لتمكين الأفراد من جميع الأعمار للتعرف على قدراتهم الروحانية وتنميتها (۱۱) وتوجيه طاقاتهم الجماعية نحو إصلاح مجتمعاتهم. وواعين بتطلعات أطفال العالم وحاجتهم للتربية الروحانية، بدأوا دروساً للأطفال تركز على وضع الأسس اللازمة لتشكيل شخصية نبيلة ذات خلق قويم. أما للشباب في الفئة العمرية
١١-١٤، فقد أوجدوا لهم بيئة تعلمية تساعدهم على تشكيل هويتهم الأخلاقية في هذا الوقت الحرج من حياتهم وتنمية المهارات التي تعمل على تمكينهم لتوجيه طاقاتهم البناءة والخلاقة نحو |إصلاح مجتمعاتهم. والجميع مدعوون للمشاركة في مجموعات صغيرة، للتعلم بطريقة تشاركية، مفاهيم ومواضيع أساسية تشجع الأفراد على أن يصبحوا عوامل للتغيير في مجتمعاتهم ضمن ديناميكية من التعلّم وتوجّهٍ نحو الخدمة.
|
| |
لم تكن المقاربة المستخدمة لتطوير المناهج الخاصة بهذه النشاطات تتمثل بوضع التصميم، فالتجربة الميدانية ثم التقييم؛ بل تم اتخاذ الخطوة الأولى في كتابة أية مجموعة من مجموعات هذه المادة عندما تنبع التجربة من نشاط قامت به القاعدة الشعبية استجابة لاحتياجات تنموية خاصة. ثم يتم تعديل المناهج باستمرار في ضوء معلومة أو بصيرة جديدة. ويظهر التغيير الثقافي الجاري جلياً في القدرة الأكبر للقيام بالعمل الجماعي، وفي أن يرى الفرد نفسه عاملاً من عوامل التغيير في المجتمع، وعضواً يتعلم بمنتهى التواضع، ومشاركًا فعالًا في توليد المعرفة ونشرها وتطبيقها. لقد زادت الدورة التعلمية المستمرة من خلال العمل والمراجعة والمشورة، الوعي بالاحتياجات والموارد في المجتمعات، كما أنها عملت على تقوية آليات العمل والتشاور الجماعي. |
| |
إضافة إلى ذلك، فقد اتحد المحترفون في مختلف المجالات في منظمات تلهمها المبادئ والقيم البهائية للعمل من أجل استهلاك وإنتاج مستدامين. كما يعمل "منتدى الأعمال البهائي الأوروبي" والهيئات المنتسبة إليه في مناطق أخرى مع رجال أعمال قياديين للأخذ بعين الاعتبار غايات اجتماعية وراء نطاق الربح، بما فيها الاستدامة في العمليات الإنتاجية والمسؤوليات المشتركة. لقد روّج "منتدى البيئة العالمي" (۱۲)، منذ أمد بعيد أنماط حياةٍ مستدامة واستهلاك أكثر توافقًا مع الخلق القويم، منها الاشتراك في "شبكة مواطنة المستهلك في أوروبا" سابقاً، وفي الوقت الحاضر في "الشراكة من أجل التعليم والبحوث لحياة أكثر مسؤولية". (۱۳) |
| |
تمضي قدماً الحركة لإعادة تعريف القواعد الثقافية في ضوء مقتضيات العدالة والاستدامة. وتقوم مؤسسات ثقافية رائدة من ضمنها الحكومات، التربية والتعليم و الإعلام، بالإضافة إلى التجارة والأعمال، ومنظمات دينية ومؤسسات المجتمع المدني بدفع القيم المتعلقة بالاستدامة إلى مقدمة الوعي العام. كما تتحرّك رؤى أوسع لغاية الإنسانية ورخائها من أطراف الحوارات العامة إلى مركزها. ويتضح جلياً أن الطريق نحو الإستدامة سيتسم بالتمكين والتعاون وعمليات متواصلة من الاستفهام والاستطلاع والتعلم والعمل في شتى بقاع الأرض. وستأخذ شكلها من تجارب وخبرات النساء والرجال والأطفال، الغني والفقير، الحاكم والمحكوم حيث يتم تمكين كل واحد منهم للقيام بدوره المناسب في بناء مجتمع جديد. ومع تراجع المد الجارف للنزعة الإستهلاكية والإستهلاك غير المنضبط والفقر المدقع والتهميش، ستتكشّف الطاقات الإنسانية الكامنة للعدالة والتعاون المتبادل والسعادة. |